كوارث في مصنع بوينغ.. تقرير يكشف "ثغرات دريملاينر"

اثنين, 22/04/2019 - 17:56

قادت التحقيقات بشأن العيوب التي تسببت بكارثتي طائرتي بوينغ "737 ماكس" إلى التحقيق في عمليات التصنيع لواحدة من أيقونات بوينغ الحديثة، أي طائرة دريملاينر 787، التي تعتبر أكثر الطائرات تقدما في العالم، بحسب تحقيق موسع أجرته صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية.

وجاءت هذه التحقيقات بعد شكوى من عمال ومدراء حاليين وسابقين في مصنع بوينغ الخاص بطائرات دريم لاينر، الذي أقامته الشركة عام 2009 بالقرب من تشارلستون في ساوث كارولينا بالولايات المتحدة.

وتضمن التحقيق الذي أجرته الصحيفة، مراجعات لمئات الرسائل الإلكترونية الداخلية، ووثائق الشركة، والسجلات الفدرالية، ومقابلات مع عشرات العمال الحاليين والسابقين في المصنع.

وتكشف كل هذه التحقيقات عن "ثقافة" معينة أخذت تسود في المصنع الحديث لطائرات بوينغ، التي تقوم وتستند إلى "السرعة في الإنتاج على حساب الجودة والنوعية".

ومن جملة النتائج التي توصل إليها التحقيق، أنه لتعويض التأخير في الإنتاج في ذلك المصنع، أخذت بوينغ بدفع عمالها لتسريع عمليات إنتاج طائرات دريملاينر، وفي الوقت نفسه تغاضت عن قضايا ومشكلات أثارها العمال في المصنع.

تسريع الإنتاج وثغرات السلامة

ومن بين الشكاوى التي أثارها العمال في مصنع دريملاينر، الذي يعد أكثر مصانع الشركة تطورا، أن الوتيرة المحمومة للإنتاج تعكس مخاوف أوسع وأكبر بشأن الشركة، خصوصا في أعقاب كارثتي "بوينغ 737 ماكس"، أي تحطم طائرة "ليون اير" الإندونيسية وطائرة الخطوط الاثيوبية.

وتواجه بوينغ الآن شكوكا بشأن ما إذا كان تسرعها لتصنيع وإنجاز طائرات "ماكس" للفوز بالسباق مع منافستها الأوروبية "إيرباص"، قد أدى بها إلى تفويت أمور تتعلق بالسلامة في التصميم، مثل نظام المناورة في الطائرة، الذي لعب دورا أساسيا في كلا الحادثين.

فقد استدعت "ثغرات السلامة" في مصنع الشركة في نورث تشارلستون شركات الطيران والجهات التنظيمية الأخرى إلى التحقق من الطرز الجديدة من طائرات بوينغ، إذ أعلنت بعض الشركات عن عدم قبول الطائرات المصنعة من هذا المصنع بعد الأخطاء التصنيعية وتأخر تسليم الشحنات.

وبحسب الوثائق التي حصلت عليها الصحيفة الأميركية، فقد قدم العمال حوالي 12 شكوى إلى الجهات التنظيمية الفدرالية تتعلق بالسلامة، وتصف القضايا "عيوبا تصنيعية"، وبقاء مخلفات تصنيعية على الطائرات، والضغوط على العمال من أجل عدم الإبلاغ عن الانتهاكات.

وقام البعض بمقاضاة بوينغ، قائلين إنهم تعرضوا لإجراءات انتقامية من قبل الشركة بسبب أخطاء تصنيعية كبيرة.

فقد قال الفني جوزيف كلايتون، الذي يعمل في مصنع نورث تشارلستون، وهو أحد مرفقين لتصنيع طائرات دريملاينر، إنه كان يعثر دائما على بقايا ومخلفات متروكة بشكل خطير بالقرب من الأسلاك تحت قمرات قيادة الطائرات.

وأضاف كلايتون أنه أبلغ زوجته بأنه لن يركب أبدا مثل هذه الطائرات، موضحا أن المسألة تتعلق بالسلامة.

ففي صناعة تشكل فيها السلامة الأهمية القصوى، فإن المخاوف الجماعية المتعلقة بالكارثتين الجويتين المذكورتين، تشير إلى مشكلات منهجية محتملة.

ومن هنا فإن الجهات التنظيمية والمشرعين أخذوا على عاتقهم التحقيق بشكل أكبر وأعمق في أولويات شركة بوينغ، وما إذا كانت الأرباح تطغى على السلامة في بعض الأحيان، بحسب ما ورد في تحقيق صحيفة "نيويورك تايمز".

وبذلك تجد قيادة بوينغ، وهي واحدة من أكبر الشركات الأميركية في مجال التصدير، نفسها في موقف لم تعهده من قبل، وهو اضطرارها إلى الدفاع عن ممارساتها ودوافعها.

 أخطاء العمال والأخطاء التصنيعية

وقال رئيس قسم الطائرات التجارية في بوينغ، كيفين مكاليستر، في بيان: "يقدم العاملون في مصنع الشركة في ساوث كارولينا أعلى مستويات الجودة في تاريخنا.. إنني فخور بالتزام فريقنا الاستثنائي بالجودة ووقوفهم وراء العمل الذي يقومون به كل يوم".

إن وقوع أخطاء تصنيعية أمر تتعامل معه كل المصانع، ولا يوجد دليل على أن المشكلات في مصنع الشركة في ساوث كارولينا قد أدى إلى أي حوادث جوهرية تتعلق بالسلامة، كما أنه لم تتحطم أي طائرة من طراز دريملاينر، على الرغم من توقف أسطول هذا الطراز مؤقتا بسبب احتراق البطارية في عدد من الطائرات، كما أن شركات الطيران والخطوط الجوية المختلفة تثق بهذا الطراز.

غير أن العمال يرتكبون بعض الأخطاء الخطيرة، بحسب تصريحات لعمال حاليين وسابقين في بوينغ، رفضوا الكشف عن أسمائهم خشية تعرضهم لعواقب وانتقام.

وتتضمن الشكاوى العديدة حول تصنيع طائرات بوينغ، تركيب قطع تعاني من عيوب تصنيعية، وترك أدوات وقطع وبقايا معدنية داخل الطائرة، وغالبا بالقرب من الأنظمة الكهربائية فيها.

حتى إن الطائرات قامت بطلعات تجريبية بوجود بقايا وقطع ومخلفات في المحركات وفي منطقة الذيل، مما كان ينذر بفشل تجربة الطائرات.

وقال مدير الجودة السابق في بوينغ، والذي عمل لأكثر من 3 عقود قبل تقاعده عام 2017، جون بارنيت، إنه اكتشف كميات كبيرة من الشظايا المعدنية المعلقة على نظام الأسلاك الكهربائية، التي تتحكم بعمليات التحليق، مشيرا إلى أنه لو اخترقت مثل هذه الشظايا المعدنية الحادة الأسلاك الكهربائية لربما نجم عن ذلك كارثة.

وكشف بارنيت أنه حذر مرارا وتكرارا مدراءه، طالبا إزالة تلك الشظايا المعدنية الحادة، لكنهم رفضوا ذلك ونقلوه إلى قسم آخر في المصنع.

من جانبه، قال المتحدث باسم هيئة الطيران الفدرالي لين لونسفورد، إن الهيئة قامت بفحص عدة طائرات معتمدة من قبل بوينغ باعتبارها خالية من المخلفات التصنيعية، ومع ذلك فقد عثر على مثل هذه الشظايا المعدنية الحادة.

وقال إنه في بعض الحالات قد تؤدي المشكلة إلى إطلاق شرارة كهربائية وتتسبب بالتالي بحريق داخل الطائرة.

ويعتقد المسؤولون أن الشظايا المعدنية ربما تكون مسؤولة عن أضرار وقعت على طائرة أثناء الخدمة في عام 2012، بحسب ما ذكر شخصان على دراية بالمسألة.

وفي عام 2017، أصدرت هيئة الطيران الفدرالي توجيهات تطالب شركة بوينغ بتنظيف طائرات دريملاينر من الشظايا المعدنية الحادة، قبل أن يتم تسليمها.

وقالت بوينغ إنها استجابت للتوجيهات، وأنها تعمل مع المزودين لتحسين الصواميل والبراغي، لكنها أصرت على أن المسألة لا تشكل خطرا على سلامة الطيران.

وقال بارنيت: "بصفتي مدير جودة في بوينغ، فقد كنت خط الدفاع الأخير قبل يؤثر الخلل على الناس أثناء تحليق الطائرات".

وتابع: "وحتى الآن لم أر طائرة خرجت من مصنع تشارلستون يمكنني أن أضع توقيعي على أوراقها والقول إنها سليمة وتستحق الطيران".

أوقات عصيبة

بعد أقل من شهر على تحطم الطائرة الإثيوبية من طراز 737 ماكس، دعت شركة بوينغ موظفي وعمال مصنع نورث تشارلستون لاجتماع عاجل، ملخصه أن الشركة تواجه مشكلة وهي أن الزبائن عثروا على قطع وأشياء مختلفة في الطائرات الجديدة.

وبحسب اثنين من العمال في الشركة حضرا الاجتماع، ورفضا الكشف عن اسميهما، دعا مدير كبير في الشركة العمال إلى فحص الطائرات بعناية، وقال "إن الشركة تمر بأوقات عصيبة حاليا".

ومن هنا يتضح أن مشكلة القطع والمخلفات، التي يطلق عليها مسمى "مخلفات خارجية" تعتبر قضية شائعة في الطيران.

والمطلوب من العمال تنظيف باطن الطائرة، وغالبا ما يستخدمون المكانس الكهربائية في ذلك، لذلك فإنهم لا يتسببون بتلويث الطائرات بالأدوات والشظايا المعدنية الحادة أو أي قطع أخرى.

ومع ذلك ظلت مشكلة البقايا والمخلفات قائمة في مصنع الشركة في ساوث كارولينا، ففي رسالة بالبريد الإلكتروني ذكّر رئيس برنامج طائرة دريملاينر، براد زاباك، موظفي المصنع في تشارلستون بأن البقايا والمخلفات المتروكة في أبدان الطائرات "يمكن أن تتسبب بعواقب وخيمة إذا لم يتم التحقق منها".

ويبدو أن المسألة كلفت بوينغ في مصانعها الأخرى، ففي مارس الماضي، أوقف سلاح الجو الامريكي استلام طائرة بوينغ كيه سي-46، التي يتم تصنيعها في مصنع الشركة في إيفريت بواشنطن، المصممة لتزويد الطائرات المقاتلة بالوقود جوا.

وجاء التوقف عن استلامها بعد العثور على مفتاح ربط وبراغي وصواميل وقمامة داخل الطائرات الجديدة.

وبعد هذه الحوادث، أدلى مساعد وزير سلاح الجو ويل روبر، بشهاد حول هذا الأمر أمام لجنة تابعة للكونغرس في مارس الماضي وقال: "بصراحة.. هذا الأمر غير مقبول".

وقالت بوينغ إنها تعمل من أجل حل المشكلة مع سلاح الجو، الذي استأنف استلام الطائرات في شهر أبريل...

نيوز