
في زمنٍ صار فيه المنصب عند البعض أقصر الطرق إلى النفوذ، تظل هناك شخصيات نادرة تثبت أن رجل الدولة الحقيقي لا تصنعه الكراسي، بل تصنعه الأخلاق والتجربة والصدق.
ومن بين هذه النماذج يبرز حمود ولد امحمد، الوزير والإداري والوالي، الذي راكم خلال مسيرته رصيدًا من الاحترام يتجاوز حدود الوظيفة والموقع.
اليوم، وفي عطلته السنوية، يوجد حمود ولد امحمد في بلدية السدود بين أهله وأحبته ومختلف الشرائح الاجتماعية التي جمعته بها سنوات من المودة والمعروف. عاد إلى مسقط الرأس دون بروتوكول، ودون مظاهر سلطة، ليؤكد أن العلاقة الحقيقية مع الناس لا تحتاج إلى مكتب ولا إلى منصب.
حمود رجل عرفته الدولة في مواقع متعددة، من الوزارة إلى الإدارة العامة والإدارة الإقليمية، لكنه ظل في كل موقع محتفظًا بالخصال ذاتها: رجاحة العقل، هدوء الطبع، الحكمة، الصدق، نظافة اليد، والقدرة على جمع الناس بدل تفريقهم.
والأهم أنه لم يسمح للسلطة أن تغيّر شخصيته.
لم يجعل من المسؤولية جدارًا بينه وبين الناس، ولم يحول علاقاته إلى أدوات نفوذ. لذلك بقي قريبًا من الجميع، محترمًا لدى مختلف الأوساط، وقادرًا على نسج علاقات تتأسس على الثقة لا على المصالح العابرة.
وفي زمن تكثر فيه المواقف الموسمية، ظل حمود ولد امحمد من الأطر الذين اختاروا الوفاء والوضوح في مساندة توجهات رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، بعيدًا عن الضجيج والاستعراض، مؤمنًا بأن خدمة الدولة تكون بالفعل لا بكثرة الكلام.
ولعل وجوده اليوم في السدود هو الاختبار الحقيقي لكل ما قيل عنه؛ فالمسؤول يمكن أن يفرض حضوره وهو في مكتبه، لكنه لا يستطيع أن يفرض المحبة وهو بين أهله.
وهناك، حيث لا سلطان للمنصب، يجد حمود حوله محبةً واحترامًا من أناس عرفوه قبل المناصب وخلالها.
ذلك هو الفارق بين موظف كبير ورجل دولة: الأول تنتهي قيمته بانتهاء مهمته، أما الثاني فتبدأ شهادته الحقيقية بعد أن يغادر المنصب.
حمود ولد امحمد ينتمي إلى الصنف الثاني؛ رجلٌ حمل المناصب، لكنه لم تحمله المناصب بعيدًا عن الناس.
وبين أهله اليوم، في عطلته السنوية، تبدو سيرته أكثر وضوحًا: رجل دولة هادئ، وفيّ، صادق، جامع للناس، ومتمسك بمعالي الأمور في زمن أصبحت فيه هذه الصفات عملة نادرة.





.jpg)





